فصل: خاتمة البحث:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.خاتمة البحث:

حكمة التشريع:
صان الإسلام بتشريعه الخالد كرامة الإنسان، وجعل الاعتداء على النفس أو المال أو العرض جريمة خطيرة، تستوجب أشد أنواع العقوبات، فالبغي في الأرض بالقتل والسلب، والاعتداء على الآمنين بسرقة الأموال، كل هذه جرائم ينبغي معالجتها بشدّة وصرامة، حتى لا يعيث المجرمون في الأرض فسادًا، ولا يكون هناك ما يُخل بأمن الأفراد والمجتمعات.
وقد وضع الإسلام للمحارب الباغي أنواعًا من العقوبات «القتل، الصلب، تقطيع الأيدي والأرجل، النفي من الأرض» كما وضع للسارق عقوبة «قطع اليد» وهذه العقوبات تعتبر بحقٍ رادعة زاجرة، تقتلع الشر من جذوره، وتقضي على الجريمة في مهدها وتجعل الناس في أمنٍ، وطمأنينة، واستقرار.
وأعداء الإنسانية يستعظمون قتل القاتل، وقطع يد السارق، ويزعمون أن هؤلاء المجرمين ينبغي أن يَحْظَوا بعطف المجتمع، لأنهم مرضى بمرضٍ نفساني، وأن هذه العقوبات الصارمة لا تليق بمجتمع متحضر يسعى لحياة سعيدة كريمة إنهم يرحمون المجرم من المجتمع، ولا يرحمون المجتمع من المجرم الأثيم الذي سلب الناس أمنهم واستقرارهم، وأقلق مضاجعهم، وجعلهم مهدّدين بين كل لحظة ولحظة في الأنفس والأموال والأرواح.
وقد كان من أثر هذه النظريات التي لا تستند على عقل ولا منطق سليم، أن أصبح في كثير من البلاد «عصابات» للقتل وسفك الدماء وسلب الأموال، وزادت الجرائم، واختل الأمن، وفسد المجتمع، وأصبحت السجون ممتلئة بالمجرمين وقطّاع الطريق.
والعجيب أن هؤلاء الغربيين الذين يرون في الحدود الإسلامية شدة وقسوة لا تليق بعصرنا المتحضّر، والذين يدعون إلى إلغاء عقوبة «القتل والزنى وقطع يد السارق» إلخ هم أنفسهم يفعلون ما تشيب له الرؤوس، وتنخلع لهوله الأفئدة، فالحروب الهمجية التي يثيرونها، والأعمال الوحشية التي يقومون بها من قتل الأبرياء، والاعتداء على الأطفال والنساء، وتهديم المنازل على من فيها، لا تعتبر في نظرهم وحشية، ولقد أحسن الشاعر حين صور منطق هؤلاء الغربيين بقوله:
قتلُ امرىءٍ في غابةٍ ** جريمةٌ لا تغتفر

وقتلُ شعبٍ آمنٍ ** مسألة فيها نظر

نعم إن الإسلام شرع عقوبة قطع يد السارق، وهي عقوبة صارمة ولكنه أمّن الناس على أموالهم وأرواحهم، وهذه اليد الخائنة التي قطعت إنما هي عضو أشل تأصل فيها الداء والمرض، وليس من المصلحة أن نتركها حتى يسري المرض إلى جميع الجسد، ولكنّ الرحمة أن نبترها ليسلم سائر البدن، ويدٌ واحدة تقطع كفيلة بردع المجرمين، وكف عدوانهم وتأمين الأمن والاستقرار للمجتمع، فأين تشريع هؤلاء من تشريع الحكيم العليم، الذي صان به النفوس والأموال والأرواح!!. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من لطائف القشيري في الآية:

قال عليه الرحمة:
{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)}.
لو أنَّ وليًا من الأولياء سرق نصابًا من جرذ، ووجد فيه استحقاق القطع، أقيم عليه الحدُّ كما يقام على المتهتك، ولا يَسْقُطُ الحدُّ لصلاحه. والإشارة فيه أن أَمْرَ الملك مُقَابَلٌ بالتعظيم، بل كل من كان أعلى رتبةً فَخَطَرُه أتمُّ وأخفى، والمطالبةُ عليه أشدُّ. فلا يَسْتَخِفَنَّ أحدٌ الإلمام بزلة {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ} [النور: 15]. اهـ.

.من فوائد الماوردي في الآية:

قال عليه الرحمة:
قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} وهي في قراءة عبد الله بن مسعود: والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما.
إنما بدأ الله تعالى في السرقة بالسارق قبل السارقة، وفي الزنى بالزانية قبل الزاني، لأن حب المال على الرجال أغلب، وشهوة الاستمتاع على النساء أغلب، ثم جعل حد السرقة قطع اليد لتناول المال بها، ولم يجعل حد الزنى قطع الذكر مع مواقعة الفاحشة به، لثلاثة معانٍ:
أحدها: أن للسارق مثل يده التي قطعت فإن انزجر بها اعتاض بالثانية، وليس للزاني مثل ذكره إذا قطع فلم يعتض بغيره لو انزجر بقطعه.
والثاني: أن الحد زجر للمحدود وغيره، وقطع اليد في السرقة ظاهر، وقطع الذكر في الزنى باطن، والثالث: أن في قطع الذكر إبطال النسل وليس في قطع اليد إبطاله.
وقد قطع السارق في الجاهلية، وأول من حكم بقطعه في الجاهلية الوليد ابن المغيرة، فأمر الله تعالى بقطعه في الإِسلام، فكان أول سارق قطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإِسلام الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، ومن النساء مرة بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخزوم، وقال: «لَو كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ». وقطع عمر ابن سمرة أخا عبد الرحمن بن سمرة.
والقطع في السرقة حق الله تعالى لا يجوز العفو عنه بعد علم الإِمام به، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في سارق رداء صفوان حين أمر بقطعه، فقال صفوان: قد عفوت عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هَلاَّ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟لاَ عَفَا اللَّهُ عَنِّي إِنْ عَفَوتُ».
وروي أن معاوية بن أبي سفيان أُتِيَ بلصوص فقطعهم حتى بقي واحد منهم فقدم ليقطع فقال:
يميني أمير المؤمنين أعيذها ** بعفوك أن تلقى مكانًا يشينها

يدي كانت الحسناء لو تم سبرها ** ولا تعدمُ الحسناءُ عابا يعيبها

فلا خير في الدنيا وكانت حبيبة ** إذا ما شمالي فارقتها يمينها

فقال معاوية: كيف أصنع وقد قطعت أصحابك، فقالت أم السارق: يا أمير المؤمنين اجعلها من ذنوبك التي تتوب منها، فَخَلَّى سبيله، فكان أول حد ترك في الإٍسلام.
ولوجوب القطع مع ارتفاع الشبهة شرطان هما: الحرز والقدر، وقد اختلف الفقهاء في قدر ما تقطع فيه اليد خلافًا، كُتُبُ الفقه أولى.
واختلف أهل التأويل حينئذ لأجل استثناء القطع وشروطه عمن سرق من غير حرز أو سرق من القدر الذي تقطع فيه اليد في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} هل هو عام خُصّ؟ أو مجمل فُسِّر على وجهين.
أحدهما: أنه العموم الذي خُصّ.
والثاني: أنه المجمل الذي فُسِّر.
ثم قال تعالى: {جَزَاءً بِمَا كَسَبا} فاختلفوا هل يجب مع القطع غُرْم المسروق إذا استهلك على مذهبين:
أحدهما: أنه لا غرم، وهذا قول أبي حنيفة.
والثاني: يجب فيه الغرم، وهو مذهب الشافعي.
وذكر الكلبي أن هذه الآية نزلت في طعمة بن أبيرق سارق الدرع. اهـ.

.من فوائد ابن الجوزي في الآية:

قال رحمه الله:
قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} قال ابن السائب: نزلت في طُعمة بن أُبيرق، وقد مضت قصته في سورة «النساء».
و«السارق»: إِنما سُمّي سارقًا، لأنه يأخذ الشيء في خفاءٍ واسترق السّمع: إِذا تسمَّع مستخفيًا.
قال المبرّد: والسارق هاهنا مرفوع بالابتداء، لأنه ليس القصد منه واحدًا بعينه، وإِنما هو، كقولك: مَنْ سَرَق فاقطعْ يده.
وقال ابن الأنباري: وإِنّما دخلت الفاء، لأن في الكلام معنى الشرط، تقديره: من سرق فاقطعوا يَدَهُ.
قال الفرّاء: وإِنما قال: {فاقطعوا أيديهما} لأن كلَّ شيءٍ موحّد من خلق الإنسان إِذا ذُكِرَ مضافًا إِلى اثنين فصاعدًا، جُمع، تقول: قد هشمت رؤوسَهما، وملأت [ظهورهما] وبطونهما [ضربًا].
ومثله {فقد صنعت قلوبُكما} [التحريم: 4] وإِنما اختير الجمع على التثنية، لأن أكثر ما تكون عليه الجوارح اثنين اثنين في الانسان: اليدين، والرجلين، والعينين، فلما جرى أكثره على هذا، ذُهِبَ بالواحد منه إِذا أُضيف إِلى اثنين مذهب التثنية، وقد يجوز تثنيتهما.
قال أبو ذؤيب.
فتخالسا نفسيهما بنوافذٍ ** كَنَوَافِذِ العُبُط التي لا تُرقَع

وهذه الآية اقتضت وجوب القطع على كلِّ سارق، وبينت السُنَّة أن المراد به السارقُ لِنِصابٍ من حِرْزِ مثله، كما قال تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء، والصبيان، وأهل الصّوامع.
واختُلِفَ في مقدار النصاب، فمذهب أصحابنا: أن للسّرقة نصابين: أحدهما: من الذهب ربع دينار، ومن الوَرِق ثلاثة دراهم أو قيمة ثلاثة دراهم مِن العروض وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة: لا يقطع حتى تبلغ السّرقة عشرة دراهم.
وقال الشافعي: الاعتبار في ذلك بربع دينار، وغيره مقوَّمٌ به، فلو سرق درهمين قيمتهما ربع دينار، قُطع، فإن سَرق نصابًا من التّبر، فعليه القطع.
وقال أبو حنيفة: لا يقطع حتى يبلغ ذلك نصابًا مضروبًا، فإن سرق منديلًا لا يساوي نصابًا، في طرفه دينار، وهو لا يعلم، لا يقطع.
وقال الشافعي: يقطع.
فإن سرق ستارة الكعبة، قطع، خلافًا لأبي حنيفة.
فإن سرق صَبيًا صغيرًا حُرًا، لم يقطع، وإِن كان على الصغير حُلي.
وقال مالك: يقطع بكل حال.
وإِذا اشترك جماعة في سرقة نصاب، قطعوا، وبه قال مالك، إِلا أنه اشترط أن يكون المسروق ثقيلًا يحتاج إِلى معاونة بعضهم لبعض في إِخراجه.
وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا قطع عليه بحال ويجبُ القطع على جاحد العاريَّة عندنا.
وبه قال سعيد بن المسيب، والليث بن سعد، خلافًا لأكثر الفقهاء.
فأما الحرز، فهو ما جعل للسكنى، وحفظ الأموال، كالدور والمضارب والخيم التي يسكنها الناس، ويحفظون أمتعتهم بها، فكل ذلك حِرز، وإِن لم يكن فيه حافظ ولا عنده، وسواء سُرِق من ذلك وهو مفتوح الباب، أو لا باب له إِلا أنه محجّر بالبناء.